الشيخ محمد رشيد رضا

229

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القراءات فيها قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب رفث وفسوق بالرفع وجدال بالفتح والباقون بالفتح . وهو أبلغ لأنه نفي لجنس هذه الأشياء يشمل جميع أفرادها بالنص ويتضمن معنى النهي عنها بطريق الأولوية ثم قال تعالى بعد النهي عن هذه المحظورات وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وفيه التفات إلى الخطاب ويشعر العطف بمحذوف تقديره ان اتركوا هذه الأمور الممنوعة في الحج لتخلية نفوسكم وتصفيتها ، وحلوها بعد ذلك بفعل الخير لتتم لكم تزكيتها ، فان النفوس بعد ذلك تكون أشد استعدادا للاتصاف بالخير ، واللّه لا يضيع عليكم أقل شيء منه ، لأنه عالم به وبأنكم وافقتم فيه سنته وشريعته وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى قالوا إن هذا نزل في ردع أهل اليمن عن ترك التزود زعما انه من مقتضى التوكل على اللّه فقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس أنه قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون ، ثم يقدمون فيسألون الناس فنزلت - فالمراد بالتقوى على هذا اتقاء السؤال وبذل ماء الوجه قال الأستاذ الامام وهو غير ظاهر من العبارة ، بل المتبادر منها ان الزاد هو زاد الأعمال الصالحة وما تدخر من الخير والبر كما يرشد اليه التعليل في قوله ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ) والمعنى من التقوى معروف وهو ما به يتقى سخط اللّه ، وليس ذلك إلا البر والتنزه عن المنكر ، ولا يعلل بان التقوى خير زاد الا وهو يريد التزود منها ، أما المعنى الذي ذكروه فلا يصلح مرادا من الآية لأنه لولا ما أوردوا من السبب لم يخطر ببال سامع اللفظ ، والسبب ليس مذكورا في الآية ولا مشارا اليه فيها فلا يصلح قرينة على المراد من ألفاظها ، نعم ان السبب قد ينير السبيل في فهم الآية ، ولكن يجب أن تكون مفهومة بنفسها لان السبب ليس من القرآن ولذلك أتمها بقوله وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ يعني من كان له لب وعقل فليتقني فإنه يكون على نور من فائدة التقوى وأهلا للانتفاع بها